الإسماعيلية الحركة الباطنية
الإسماعيلية في أطوار التاريخ
تعتبر فرقة الإسماعيلية من غلاة الشيعة، ومن الحركات الباطنية التي اتخذت التشيع لآل البيت ستاراً لها تحاول من خلاله تحقيق مطا معها وأهدافها بغية تقويض الإسلام وهدم أركانه.
لذا كان لابد من الحديث أولا عن بدء التشيع بلمحة موجزة، ثم بعد ذلك نعرض لنشأة الإسماعيلية.
المراحل التي مر بها مفهوم التشيع:
كان مدلول التشيع في بدء الفتنة التي وقعت في عهد علي رضي الله عنه بمعنى المناصرة والوقوف إلى جانب علي رضي الله عنه ليأخذ حقه في الخلافة بعد الخليفة عثمان رضي الله عنه، وأن من نازعه فيها فهو مخطئ يجب رده إلى الصواب ولو بالقوة. وكان هؤلاء من شيعة علي رضي الله عنه بمعنى أنصاره وأعوانه. ومما يذكر لهم أنهم لم يكن فيهم من بغى على المخالفين لهم؛ فلم يكفروهم، ولم يعاملوهم معاملة الكفار، بل يعتقدون فيهم الإسلام، وأن الخلاف بينهم لم يتعد وجهات النظر في مسألة سياسية حول الخلافة.
ولم يقف الأمر عند ذلك المفهوم من الميل إلى علي رضي الله عنه ومناصرته، إذ انتقل نقلة أخرى تميزت بتفضيل علي رضي الله عنه على سائر الصحابة. وحين علم علي رضي الله عنه بذلك غضب وتوعد من يفضله على الشيخين بالتعزير، وإقامة حد الفرية عليه.
ثم بدأ التشيع بعد ذلك يأخذ جانب الغلو أكثر، والخروج عن الحق، وبدأ الرفض يظهر، وبدأت أفكار ابن سبأ اليهودي تؤتي ثمارها الخبيثة، فأخذ هؤلاء يظهرون الشر، فيسبون الصحابة ويكفرونهم ويتبرؤون منهم، لزعمهم أن الصحابة اغتصبوا الخلافة من علي رضي الله عنه وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نص عليه، وهذا محض افتراء وكذب، ولم يستثنوا من الصحابة إلا عدد قليل منهم. وكان ابن سبأ هو الذي تولى كبر هذه الدعوة الممقوتة الكافرة، وقد علم علي رضي الله عنه بذلك فنفاه إلى المدائن.
واستمرت هذه الدعوى الخبيثة بعد مقتل علي رضي الله عنه وانقسمت الشيعة إلى فرق عديدة أوصلها بعض العلماء إلى ما يقارب السبعين فرقة. ومن الطبيعي جداً أن يحصل الخلاف بين الشيعة شأنهم شأن بقية الفرق أهل الأهواء؛ فما داموا قد خرجوا عن الذي ارتضاه الله لعباده، واستندوا إلى عقولهم وأهوائهم فلا بد أن يقع الخلاف. وبما أن أساس الشيعة الذي قامت عليه هو القول بالنص على الإمامة كما يزعمون فقد أصبحت أيضا الإمامة هي سبب افتراق الشيعة إلى فرقة تكفر كل فرقة الأخرى، ومن ذلك الإسماعيلية كما سنرى.
نشأة الإسماعيلية:
تعود جذور هذه الفرقة إلى الشيعة الإمامية الاثنى عشرية في نشأتها. وتلتقي معها في القول بإمامة جعفر الصادق رحمه الله ومن قبله من الأئمة إلا أنه بعد وفاة جعفر سنة (147هـ) حصل انشقاق بين الشيعة، ففريق ساق الإمامة إلى موسى الكاظم بن جعفر الصادق، فسموا الموسوية الإمامية الاثنى عشرية، وفريق آخر ساق الإمامة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق فسمو بالإسماعيلية.
وكان إسماعيل هذا قد مات في حياة أبيه إلا أن الإسماعيلية قالت: إن الإمامة لا تكون إلا في الأعقاب، ولا ينبغي أن تنتقل إلى أخيه، فالإمام بعد إسماعيل ابنه محمد بن إسماعيل.
وكان من الشخصيات المؤثرة في تأسيس المذهب الإسماعيلي شخصية أبو الخطاب محمد بن مقلاص الأسدي، الذي يعتبر من مؤسسي الفرق الباطنية، بل من أساتذتها. وقد سار أبو الخطاب في أفكار الغلو شوطاً كبيراً ورئيساً، فقد كان استاذاً للمفضل الجعفي الذي كان وراء محمد بن نصير في أفكاره الضالة التي أسس عليها فرقته النصيرية. وكان أستاذاً لإسماعيل بن جعفر ولابنه محمد، وزميلاً مخلصا لميمون القداح وابنه الذين عملوا بشكل فعال على انطلاقة الحركة الباطنية بثوبها الإسماعيلي، والتي انبثقت منها أكثر الحركات الباطنية الأ خرى كالقرامطة والدروز وغيرها، وهذا ما اعترفت به المصادر الإسماعيلية نفسها، فقد قال الداعي المشهور أبو حاتم الرازي المتوفى في القرن الرابع في كتابه الزينة: إن أبا الخطاب من مؤسسي المذهب الإسماعيلي. و في كتاب "أم الكتاب" (وهو من الكتب السرية المقدسة عند الإسماعيلية) :"إن مذهب الإسماعيلية هو المذهب الذي وضعه أبناء أبي الخطاب الذي قدم جسده قربانا لنجل الإمام الصادق". وكان لهذه العلاقة أثر على جعفر حيث غضب على المفضل بن عمر (أحد أتباع أبي الخطاب) حيث قال له: "يا كافر يا مشرك مالك ولابني؟ ما تريد إلى ابني؟ أتريد أن تقتله؟" (أنظر رجال الكشي الرافضي).
وهؤلاء الأتباع الذين التفوا حول إسماعيل هم الذين قالوا بإمامة إسماعيل بن جعفر وأسسوا طائفة الإسماعيلية، ومن هؤلاء ميمون القداح وابنه عبدالله.
إذاً الإسماعيلية هي وليدة الخطابية الذين لجأوا بعد أبي الخطاب إلى إسماعيل، وبعدة وفاة إسماعيل التفوا حول ابنه محمد وأوعزوا له بالدعوة إلى نفسه، ولكن محمد اضطر إلى مغادرة المدينة النبوية وذهب إلى خوزستان ثم إلى بلاد الديلم، ولم يسمع عنه شيئا بعد ذلك.
ويدعي الإسماعيلية –وليس لهم في ذلك حجة- أن محمدا عاش في السر حاملا الدعوة التي توارثها أبناؤه من بعده للدعوة إليهم، وبالتالي صعب معرفة هؤلاء الأئمة، ونظراً لغموض هذه الفترة واستتار أئمتها –كما يزعمون- اضطربت آراء مؤرخي الإسماعيلية أنفسهم حولها، فهم مختلفون في أسماء هؤلاء الأئمة وفي عددهم أيضا، فبعضهم جعلهم ثلاثة، وقال البعض خمسة، وقال البعض سبعة، وهذا من أكبر الأدلة على بطلان هذه الدعوى.
إلا أن المتتبع لتاريخ الإسماعيلية يرى بجلاء الدور الخطير لميمون القداح الذي أدار دفة هذه المرحلة الحرجة من مراحل الإسماعيلية وهذا ما شهدت به كتب الإسماعيلية أنفسها، فهذا مصطفى غالب الإسماعيلي المعاصر يقول في كتابه الحركات الباطنية:" إن ميمون القداح كان فيلسوفاً وعالماً من أبلغ علماء عصره، ومن أعظم واضعي أسس الحركة الإسماعيلية، وعلى يده ويد أولاده وأحفاده ازدهرت هذه الحركة في دور الستر الأول.
وعن أساليب أسرة ميمون القداح في الدعوة إلى مذهبهم يقول المقريزي- والذي كان معاصر للدولة العبيدية- في خططه: "كان لميمون القداح هذا ابن يسمى عبدالله كان عالماً بالشرائع والسنن والمذاهب، وقد وضع سبع دعوات يتدرج الإنسان فيها حتى ينحل عن الأديان كلها ويصير معطلا إباحياً لا يرجو ثوابا ولا يخاف عقاباً، وكان يدعو إلى الإمام محمد بن إسماعيل حتى اشتهر وصار له دعاة، فجاء إلى البصرة، فعرف أمره ففر منها إلى سلمية في الشام فولد له بها إبن اسمه أحمد، فلما مات قام من بعده أبنه أحمد، وبعث بالحسين الأهوازي داعية إلى العراق فلقي أحمد بن الأشعث المعروف بقرمط في سواد الكوفة، ودعاه إلى مذهبه فأجابه، وإلى قرمط تنتسب القرامطة. وولد لأحمد الحسين ومحمد المعروف بابي الشلعلع، وولد بعد ذلك للحسين بن أحمد ابن اسمه سعيد فصار تحت حجر عمه بعد وفاة أبيه".
أخذ أحمد في بث الدعاة وكان يرى أن اليمن والمغرب هما خير البلاد التي يمكن أن يستجيب أهلها. استدعى أحمد رجلا من أهل الكوفة يقال له أبو القاسم الحسن بن حوشب، وكان من الإمامية إلا أنه دخل في الدعوة الإسماعيلية، وأخذ أحمد يرصد من يرد إلى المشاهد المقدسة عندهم من أجل اختيار الدعاة ، فوقع اختياره على رجل من اليمن وهو علي بن الفضل من أهل جيشان، وهو من الشيعة الإمامية فاحتال على إدخاله في الدعوة الإسماعيلية فاستجاب وقبل.
ظهور الدعوة الإسماعيلية في اليمن:
بعث أحمد كل من ابن حوشب وعلي بن الفضل إلى اليمن، فلما وصلا اليمن أول سنة (268هـ) دخلاها من ميناء غليفقة، واستقر ابن حوشب في الجهة الغربية منها فيما يسمى بعدن لاعة من مقاطة حجة. أما علي بن الفضل فقد توجه فور وصوله إلى بلدة يافع، ومن أجل الوصول إلى الغاية المرجوة فقد أظهر الزهد والصلاح، وأخذا في نشر الدعوة، وحال بعد اليمن عن مركز الخلافة، ووعورة طرقها بالإضافة إلى اشتغال العباسيين في ذلك الوقت بثورة الزنج بين الخلافة والالتفات لليمن لإنقاذه من الدعوة الإسماعيلية.
نجح الحسن بن حوشب الذي تسمى بمنصور اليمن في إقامة الدعوة في اليمن، ولما تأكد الحسين بن أحمد في سلمية من تمكن الدعوة في اليمن أرسل أبا عبدالله الشيعي إلى اليمن ,وامره أن يمتثل طاعة ابن حوشب ويحذو حذوه.
وبعد أن تمكن ابن حوشب من نشر الدعوة في اليمن، وأخذ أبو عبدالله الشيعي تعاليم المذهب منه أرسله ابن حوشب إلى المغرب عن طريق الحجاج من قبيلة كتامة؛ حيث كانت المغرب أرضاً مهيأة لنصر المذهب فقد سبقه إليها ابو سفيان والحلواني وكان لدعوتهما قبول فكان أبو عبدالله صاحب البذر للأرض التي حرثاها، ولقيت دعوته نجاحاً كبيراً، وقضى على مجموعة الدول الإقليمية في بلاد المغرب.
أما علي بن الفضل فلاقى نجاحاً كبيراً على خصومه السنيين آل يعفر الحواليين، فاستولى على مناطقهم وضمها إلى منطقته.
المراحل الأولية لظهور الدولة العبيدية (الفاطمية):
أمام هذه الانتصارات الكبرى التي أحرزها الاتجاه الإسماعيلي أرسل ابن حوشب إلى سعيد الذي اشتهر في سلمية بعد وفاة عمه وأبوه، وهو الذي تسمى فيما بعد بعبيد الله وتلقب بالمهدي، وهو سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبدالله بن ميمون القداح. أرسل إليه ابن حوشب يخبره بأن بلاد اليمن أصبحت مهيأة لاستقباله لإقامة دولة المهدي فيها، وكانت المخاطر تحيط به في سلمية، والعباسيون يبحثون عنه، وأخذ ابو عبد الله الشيعي هو الآخر يلح على سعيد (المهدي) بالقدوم إليه في بلاد المغرب. وكان على سعيد أن يختار بين اليمن أو المغرب لإقامة دولته، والذي يبدو أن سعيد (المهدي) فضل بلاد المغرب على اليمن، وإن أظهر أنه يريد بلاد اليمن عند خروجه سراً من سلمية؛ لأن بلاد المغرب كانت أكثر أمانا لإقامة الدعوة الإسماعيلية بها؛ فأبو عبدالله الشيعي قضى على الأغالبة ممثلي الخلافة العباسية في بلاد المغرب. ولم يكتف بذلك بل قضى على الدولة الرستمية الاباضية أيضا، واستولى على دولة الخوارج الصفرية في سجلماسة، وضم إليه دولة الادارسة العلوية وعاصمتها فاس. يضاف إلى ذلك أن بلاد المغرب كانت بعيدة عن مركز الخلافة العباسية في بغداد، كما أن بلاد الأندلس كانت مقراً للدولة الأموية الثانية، وعلى ذلك فليس هناك أية قوة محلية يمكن أن تتعاون مع العباسين ضد الإسماعيلية هناك، أما بلاد اليمن فهي قريبة من بغداد العباسية ونفوذها الذي كان مسيطراً على الجزيرة العربية، وأيضا للاتجاه السني في اليمن وهم بنو زياد في تهامة وآل يعفر الحواليين في صنعاء فاتجه للمغرب.
أدى اتجاه سعيد (المهدي) إلى المغرب وعدم قصده اليمن إلى انشقاق داعيته الرئيس فيروز ومضى قاصدا اليمن.
خروج علي بن الفضل على الدعوة الإسماعيلية وأخذه بالمبدأ القرمطي:
استقبل علي بن الفضل فيروز، ووجد في اتجاه سعيد إلى المغرب فرصة للاستقلال بملك اليمن، بينما فطن ابن حوشب إلى موقف فيروز عن طريق رسالة أرسلها له سعيد (المهدي) يخبره بانشقاق فيروز فسارع علي بن الفضل إلى الدعوة للاستقلال بملك اليمن، فنشب صراع عنيف بين ابن حوشب وعلي بن الفضل حيث كان ابن حوشب يدعو علي بن الفضل إلى الرجوع إلى الدعوة ، وكان علي بن الفضل يقول إن لي بأبي سعيد الجنابي القرمطي أسوة إذ دعى لنفسه، وأنت يا ابن حوشب إذا لم تنزل إلى طاعتي وتدخل بإجابتي نابذتك الحرب.
جهز على بن الفضل جيشاً من عشرة آلاف رجل حاصر بهم ابن حوشب في جبل "فائش"ثمانية اشهر، ولم يفك الحصار عنه إلا بعد أن قدم ابن حوشب ولداً من أولاده ليكون رهينة عند علي دلالة على خضوعه له، وكان ذلك في سنة (299هـ). وبعد أن أنهى حصاره لمنصور اليمن (ابن حوشب) انهمك علي بن الفضل بالمذيخرة عاصمة دولته للأخذ بمبدأ القرامطة من تحليل المحرمات وإباحة المحظورات، وعمل بالمذيخرة داراً واسعة يجمع فيها غالب أهل مذهبه رجالا ونساء متزينين متطيبين، ويوقد بينهم الشمع ساعة، ويتحادثون فيها بأطيب حديث وأطربه وأمجنه، ثم يطفئ الشمع، ويضع كل منهم يده على امرأة، فلا يترك الوقوع عليها وإن كانت من ذوات محارمه. ويذكر ابن الديبع أن علي بن الفضل عندما دخل مدينة الجند أدعى النبوة، وكان المؤذن يؤذن في مجلسه: "أشهد أن علي بن الفضل رسول الله" وأباح لأصحابه شرب الخمر وأنشد الأبيات المشهورة على منبر مدينة الجند التي يقول فيها:
خذي الدف يا هذه واضربي
وغني هزازيك ثم اطربي
تولى نبي بني هاشم
وهذا نبي بني يعرب
أحل البنات مع الأمهات
ومن فضله زاد حل الصبي
لكل نبي مضى شرعة
وهذي شريعة هذا النبي
فقد حط عنا فروض الصلاة
وحط الصيام فلا تتعب
إذا الناس صلوا فلا تنهضي
وإن صوَّموا فكلي واشربي
ولا تطلبي السعي عند الصفا
ولا زورة القبر في يثرب
ولاتمنعي نفسك المعزبين
من الأقربين مع الأجنبي
فمن اين حللت للابعدين
وصرت محرمة للأب
أليس الغراس لمن أسّه
وسقاه في الزمن المجدب
وما الخمر إلا كماء السماء
حلال فقدست من مذهب
وله من الفضائع الكثير لم نذكرها خشية الإطالة.
انهمك علي بن الفضل في تحليل المحرمات وقد واجه مقاومة شديدة من زعماء القبائل اليمنية حتى سنة 303هـ، حيث دبر له أسعد ابن أبي يعفر الحوالي وأحد الأشراف الذي كان حاذقا بالطب مكيدة لقتله، فتسلل هذا الطبيب إلى المذيخرة عاصمة ابن الفضل، وذاعت شهرته هناك، فاستدعاه ليفصده، فدخل على علي بن الفضل فسلم عليه، وكان قد جعل كمية من السم في شعر رأسه، وامره ابن الفضل ان ينزع ثيابه ويلبس غيرها، وان يمص المبضع قبل استعماله ففعل كل ذلك، وابن الفضل ينظر إليه، ثم مسح المبضع برأسه فعلق به من السم حاجته ثم فصده، وخرج من ساعته، فأثر السم به وقتله. ولما علم أسعد بن ابي يعفر بذلك استنفر القبائل واتجه الفضل القرمطي الذي خرج على الدعوة الإسماعيلية ودعى لنفسه، وقد روتها كتب التاريخ اليمني بأجمعها، وفي بعضها بهم نحو المذيخرة وحاصرها ورماها بالمنجنيق حتى نزلوا على حكمه، فتسلم المدينة، وقتل من القرامطة خلقاً كثيرا.
هذا وصف موجز لقصة علي بن زيادات لم نأت بها خشية الإطالة.
دخول الدعوة الإسماعيلية في اليمن في طور الستر:
دخلت الدعوة الإسماعيلية بعد موت ابن حوشب في طور الستر في اليمن خاصة بعد دخول ابو الحسن بن منصور اليمن في مذهب أهل السنة ومحاربته الدعوة الإسماعيلية.
ومن أهم دعاة الستر في هذه الفترة: عبدالله بن عباس الشاوري، ابن ابي الطفيل، جعفر بن أحمد بن عباس، هارون بن محمد بن رحيم، يوسف بن أحمد الأشج، سليمان الزواحي. وقد ظل هؤلاء الدعاة على التوالي ينشرون الدعوة سرا في اليمن إلى أن أعلنها علي بن محمد الصليحي سنة (439هـ) حسبما يأتي.
ظهور الدولة العبيدية (الفاطمية):ونعود الآن إلى الدعوة في المغرب، فقد خرج إليها سعيد (المهدي) إلا أنه في طريقه إليها قبض عليه من قبل العباسين لكن أبو عبدالله الشيعي احتال في إخراجه من محبسه فتسمى سعيد حنيئذ بعبيد الله وتكنى بأبي محمد وتلقب بالمهدي، وزعم أنه إماما علويا من نسل محمد بن إسماعيل، بينما هو من نسل ميمون القداح. وعندما وصل إلى قبيلة كتامة سار أمامه ابو عبدالله الشيعي وهو يقول: هذا إمامكم، هذا إمام الحق، هذا هو المهدي. هذا وقد نهج دعاة عبيد الله المهدي أساليب عنيفة لإرغام الناس بالدخول في المذهب الإسماعيلي، فمن أجابهم أحسنوا إليه ومن أبى حبس أو قتل.
ومن جانب آخر أخذ في ترويج العقائد الإسماعيلية من سب الصحابة وبالغ في ذلك، ومن السماح للشعراء بمدحه بما هو كفر، فهذا الشاعر محمد البديل يقول للمهدي عندما أتى رقادة:
حل برقادة المسيح
حل بها آدم ونوح
حل بها أحمد المصطفى
حل بها الكبش والذبيح
حل بها ذو المعالي
وكل شيء سواه ريح
وأخذ في توطيد حكمه بالسيف والظلم حتى استقر له ذلك في المغرب. وعلى ذلك قال القاضي عياض :" اجمع العلماء بالقيروان أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة".
وقد تعاقب على الدعوة العبيدية (الفاطمية) عدد من الأئمة جاءوا على النحو التالي:
عبيد الله المهدي (297-322), القائم بأمر الله ابو القاسم محمد (322-334)، المنصور بالله أبو الظاهر إسماعيل (334-341)، المعز لدين الله ابو تميم (341-365)، وفي عهده انتقلت الدولة العبيدية (الفاطمية) إلى مصر؛ حيث أرسل جيشاً بقيادة جوهر الصقلي الذي تمكن من اقتحامها سنة (358) فبنى فيها مدينة القاهرة، واتخذها عاصمة له، وبنى الجامع الأزهر الذي أتخذ مركزاً علمياً لقيادة الدعوة الإسماعيلية، ثم جاء العزيز بالله (365-386)، الحاكم بأمر الله (386-411)، وفي عهده أعلن أحد دعاة الإسماعيلية مذهبا انشق عنها سنة (408هـ)، نادى بألوهية الحاكم بأمر الله، وعرف هذا المذهب بالدرزية، ثم تولى بعد ذلك الظاهر أبو الحسن علي (411-427) ثم المستنصر بالله (427-487)، وقد انقسمت الإسماعيلية بعد وفاته سنة (487هـ) إلى فرقتين وكان هذا الانقسام من أخطر الانشقاقات التي حدثت داخل الإسماعيلية، إذ صار له انعكاس خطير على مجريات تاريخ الإسماعيلية وعقائدها. وقبل الحديث عن هذا الانقسام الخطير نعيد الزمن قليلاً وننتقل إلى اليمن لنرى ماذا حل بالدعوة الإسماعيلية بها.
الدعوة الإسماعيلية في اليمن في العهد العبيدي (الفاطمي) وظهور الدولة الصليحية:
مرت الدعوة الفاطمية في اليمن منذ وفاة منصور اليمن بحالة من الضعف، مما أداها إلى الدخول في مرحلة الستر، فرجع بعض رجالها مثل أبي الحسن بن المنصور إلى مذهب أهل السنة، وفر بعض اتباعها خوفاً من رجال السنة إلى عمان، إلا أن طبيعة بلاد اليمن الجبلية الوعرة ساعدت على استمرار بعض الأفراد والجماعات على تمسكها بالدعوة رغم ما واجهوه من صعوبات متخذين الستر حصنا لهم. وقد سبق ان ذكرنا دعاة هذه المرحلة، وكان آخرهم الزواحي الذي كان يعاصر الظاهر والمستنصر من الحكام العبيديين، وكان الزواحي هذا من أهل حراز، وكان في وقته قاضي سني المذهب له طاعة في رجالها، وهو محمد بن علي الصليحي الهمداني –والد الداعي علي بن محمد الصليحي- فأخذ الزواحي يلاطفه ويلازمه حتى نجح في استمالة قلب ولده علي، وهو يومئذ دون البلوغ؛ لما رأى فيه من النجابة والذكاء فأخذ يعلمه المذهب الإسماعيلي، ولم يلبث الزواحي أن توفي بعد أن أوصى بكتبه إلى علي، فداوم المطالعة لها حتى أتقن المذهب.
وعندما كبر الصليحي قام يحج دليلا بالناس، وأخذ في جمع الأتباع سراً خوفاً من النجاحيين السنيين، ويحاول ملاطفة الرئيس النجاحي إلى أن تحين الفرصة للخلاص منه، حتى تمكن من قتله على يد جارية حسناء أهداها إليه سنة (452هـ) فكانت هذه الحادثة بداية النزاع بين الصليحيين والنجاحيين. وكتب الصليحي إلى الإمام المستنصر بالله يستأذنه في إظهار الدعوة ومحاربة النجاحيين فأذن له، وأرسل إليه الرايات فبدأ بالسيطرة على مناطق اليمن ومع أن الصليحي كان همدانياً من بطن الاصلوح إلا أنه اصطدم في بدايات دولته، وهو يحاول بسط سلطته على البلاد ببطون همدان الكبرى ومنها يام التي كانت معروفة بالشجاعة وقوة البأس وبعض بطون حمير التي منها المكارمة إلا أن وطأته على همدان بالذات كانت بالغة الشدة، رمى من ورائها كسر شوكتها وإخضاعها تماماً لسيطرته وهكذا خاض معها ثلاث معارك آخرها وقعة (ضوف) والتي بعدها أعلنت همدان ومن ضمنها يام وبعض حمير ومن ضمنهم المكارمة الدخول في الدعوة الصليحية وتمذهبها بالمذهب الإسماعيلي، بل والدفاع عنه وبعد هذه الواقعة وبسرعة مذهلة سيطر الصليحي على جميع اليمن فقد أجمع المؤرخون على أنه لم تخرج سنة (455هـ) إلا والصليحي قد استولى على اليمن كله سهله ووعره، وأزال ملك النجاحيين، وأتخذ صنعاء عاصمة له.
ومع استقرار الأحوال للصليحي عمل على إعداد ابنه الأكبر محمد لينوب عنه إلا أنه مات في حياته فعين ابنه الأوسط "المكرم" خليفة له بعد أن أخذ الإذن من المستنصر وقام بتزويج ابنه من الحرة بنت أحمد.
وكان ابنا الرئيس النجاحي المقتول وهما سعيد الأحول وجياش قد هربا بأتباعهما إلى دهلك إحدى جزر البحر الأحمر وعندما علما بعزم الصليحي على الحج دبرا حيلة لقتله؛ فتسللا إلى مخيم الصليحي الذي أقامه في طريقه إلى الحج فقتلاه سنة (459هـ) وأسرا من كان معه. وبعد ذلك نصب المكرم خلفاً لأبيه، وكان أول عمل قام به فك أسر أمه من النجاحيين.
وساعد على تثبيت أمر المكرم وصول القاضي لمك بن مالك قادما من القاهرة ومعه سجل تولية المكرم، رغم أن أمر الإمام يقضي بفصل الدولة عن الدعوة في اليمن، فيتفرغ المكرم للسلطة السياسية، ويترك للقاضي لمك الإشراف على أمر الدعوة، فاستقامت بهذا الدعوة في اليمن خاصة بعد القضاء على الثورات التي قام بها النجاحيون والأشراف.
ظل المكرم مقيماً في صنعاء حتى سنة (467هـ) حيث توفيت والدته فطلبت منه زوجته الحرة الانتقال من صنعاء إلى ذي جبلة فانتقلا إليها، وأصيب بها بمرض الفالج (الشلل) فصارت أمور دولته إلى زوجته السيدة الحرة، فعاشت في حراز بينما تولى أمر صنعاء عمران بن الفضل اليامي، وأبو السعود الصليحي، وجعلت على التعكر وأعمالها أبا البركات الحميري.
لما استقر الأمر لعمران في صنعاء اراد مقابلة المكرم فمنع إلا أن يقابل السيدة ا لحرة قبله فأصابه لذلك كبر شديد، وأنشد قصيدة طويلة ذكر فيها سوابقه مع الداعي (علي الصليحي) والد المكرم وما بينهما من القرابة. وأدى ذلك إلى عزل عمران عن ولاية صنعاء. إلا أن عمران أخذ يجمع بني يام ومن أجابه من بني همدان الذي هو منها لعدم رضائه عن وجود السيدة الحرة على رأس السلطة السياسية، واعتمادها على سلطة الدعوة المتمثلة في القاضي لمك. فأدى ذلك إلى خروج صنعاء من أيدي الصليحيين وسيطرة الهمدانيين عليها. ورغم العداء الذي قام بين عمران وأتباعه والسيدة الحرة فإنه لما وجد النجاحيين يهددون السلطة الصليحية لم يتردد في محاربتهم في صفوف الصليحيين لتوافقه معهم في المذهب، وقتل في معركة الكظائم سنة (479هـ).
ظلت السيدة الحرة طوال فترة مرض زوجها تقوم بأمر المملكة، يعاضدها القاضي لمك وولده يحيى. وفي سنة (477هـ) توفي المكرم بعد أن أسند أمر الدعوة إلى الأمير سبأ بن أحمد المظفر الصليحي، فكتمت السيدة الحرة نبأ وفاة زوجها وكتبت إلى الإمام المستنصر بالنبأ، وطلبت منه أن يعهد بالأمر إلى ابنها علي المعروف بعبدالمستنصر –وكان صغيراً- فوافقها على ذلك فاستمرت السلطة في يد السيدة الحرة.لم يعش الطفل طويلاً، فما لبث أن توفي فأوجد فراغاً كبيراً في السلطة؛ فقامت السيدة الحرة بأمر الدعوة.
__________________
قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس :إنّ فيك خَصلتين يُحبهما الله:الحلمُ ، والأناةُ )رواه مسلم :1/48
وعن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من أحبّ لِقاء الله أحبّ الله لقاءهُ ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءهُ ) رواه مسلم : 4/2065
|