طريقي الى اللادينية
تحية طيبة .
لقد فتحت هذا الموضوع لكي أتحدث عن طريقي في الايمان ثم اللاأدرية المنحازة الى الالحاد. و أريد هنا أن ألخص لكم كل تأثير أثرتموه في ليس استهزاء , ولا سخرية , ولكنه امتنان لكم جميعا على بعض التغيير .
... كنت منذ طفولتي طفلا منعزلا يقضي طول اليوم في القراءة , وطول الليل في الظلمة على ضوء الشمعة يسمع أصوات الخلافات الاسرية , ويقرؤ في كتبه المدرسية بصمت و ألم.
مرت سنوات طفولتي, قرأت فيها الكثير من الكتب الدينية ... لدرجة أنني أصبحت في بداية شبابي شخصا متدينا يقضي معظم يومه بين البيت و المسجد و الثانوية. فكنت أصلي كل الصلوات في المسجد جماعة ما عدا العشاء , وكنت أقرؤ القرآن باستمرار, وكنت مواظبا على الرواتب و نوافل مابعد العشاء.
كنت باستمرار احضر دروس المسجد ... ورغم ذلك فإني أكثر ما أفكر فيه هو ثغرة منطقية في كل ما أفعله.
في الثانوية , أحببت فتاة مسلمة , وكانت هي تكرهني وتحاول قدر الامكان جعلي عرضة للسخرية في كل الثانوية , وتقول عني ما لا أستطيع تحمله ... من جهة أخرى كنت أتمناها لي زوجة لدرجة أني كنت لا أنام الليل و أسأل الاله أن يستجيب لي .... ولكن دون فائدة., مرت السنوات و أنا على ذلك الحال أسأله أن يزوجنيها أو يزيل حبها من قلبي ويزيل صورتها من عقلي.
لكن دون فائدة أيضا.
استمريت على حالي , اصلي و ادرس و أسهر الليل في الدعاء... في احد الايام سافرت الفتاة الى مدينة أخرى بعيدة , فيئست من ذلك , وتركت الدعاء.
أصبحت بعدها أقرؤ القرآن أكثر , لأني كنت يقينا أعلم أن الفتاة شغلتني كثيرا عن قراءته ... كنت أقرؤه و كنت أستمع الى الاغاني الدينية في مدح محمد بشكل كبير كما كنت أقرؤ عن كتب الصحابة ولا أكثر ما بكيت من كتاب رجال حول الرسول , الذي ما ان قرأت فيه قصة تعذيب أمية لبلال حتى اجهشت بالبكاء.
أما محمد فقد كان حبي له أعظم من كل حب , ولا غرابة في قولي لكم غير مرة أنني لا أؤمن بأنه فعل مافعل لبني قريظة : لأني في قرارة نفسي أحس أني (وحتى الان) أحب ذلك الشخص. لدرجة أني لا أقول أنه من ألف القرآن ولكنهم مجموعة من الشعراء و الادباء الجاهليين ...
كنت في تلك الفترة , أستمع الى تلك الفتاة التركية التي كانت تلقي قصة محمد بشكل مؤثر , فكنت كلما سمعتها انتابتني رغبة بالبكاء , أدخل الخلاء وحدي و أبكي . (قد لاتصدقون ذلك لكنني لست كما تتخيلونني).
وكنت بسبب كثرة القراءة عن محمد أحب أن أراه في منامي حتى أصبحت كل ليلة أدعو الله أن أراه , ولا أنام حتى الساعة الثالثة أو الرابعة صباحا, أو ربما حتى بعد صلاة الفجر.
استمر الحال لثلاث سنوات , دون فائدة ... ما رأيته في هذه الفترة هو حلم عادي بسبب كثرة القراءة عن محمد , وهذا ما رأيته في منامي :
كنت في سفح تلة , وفي اعلى التلة كان هناك شخصان ينظران الى داخل تابوت , فجأة أخرجا شعرة من التابوت , ونظرا اليها ... وأنا بسبب أنني صاحب الحلم , فإني رأيت الشعرة (وقال لي عقلي انها شعرة محمد) رغم بعدي عنهم, فصعدت التل حتى ألحقهما ... لكنهما ما ان ابصراني حتى هربا دون عودة .
توقفت امام التابوت وبحثت فيه , فوجدته فارغا , جلست قرب التابوت أتحسر و ألوم نفسي على تأخري... (صراحة انا اضحك عندما اتذكر أنني في حلمي كنت اتحسر على شعرة). وكان التابوت فارغا الا من بعض العناكب و الصراصير.
حملت التابوت على ظهري , و أردت دفنه في مكان لايجده فيه أحد... ونزلت التل, حملته على ظهر جمل و انطلقت به الى أرض فلاحية تحيطها الاشجار ... و حفرت حفرة لكي ادفنه هناك , وعندما التفته وجدت التابوت قد اختفى , فصرخت وبكيت و لطمت نفسي حتى استيقظت.
بعد ذلك الحلم ... كنت على شفا الانهيار : ازداد دعائي و صلاتي رغم أنني يئست من ذلك ... وكنت كل ليلة أتوضأ قبل النوم لكي أرى محمدا.... لكن لافائدة.
في احد الايام كنت أقرؤ سيرة محمد ... فتفاجأت بقصة بني قريظة وفكرت فيها مليا (رغم أني كنت أعرفها من زمن), لكن هذه أول مرة أفكر فيها بحيادية.
لأول مرة قلت في نفسي : لايمكن لمحمد أن يفعل هذا الذي يدعونه.
بحثت في البخاري ومسلم , و ادركت فعلا أن القصة صحيحة في المنظور الاسلامي... فقررت قرارا لم اتراجع منه : تركت البخاري ومسلم , لأن مايمكن ان يكون فيه خطأ واحد سيكون فيه اخطاء عدة.
أصبحت قرآنية لمدة سنة تقريبا ... رغم أنني كنت محافظا على الصلوات في أوقاتها و على الصوم ... ولكني كنت أرفض كل ماجاء في البخاري ومسلم, وكنت أصلي فقط لأني لا أملك مصدرا آخر غير السنة لاقامة الصلاة.
المهم أنني مازلت أدعو , و أبكي طول الليل هذه المرة : ليست لأني أريد أن أرى محمد, ولكن لأني أحسست بالشك في قلبي تجاه هذا الشخص... كنت أقول في نفسي : وماذا لو كان ماقالوه صحيحا, ولكن كيف أقبل أن هذا الشخص العزيز عندي يفعل شيئا لااستطيع أنا فعله وهو الزواج بابنة شخص قتله بنفسه.
كنت أرفض تلك الفكرة من منظور اخلاقي ... كنت افكر و افكر , وبعدها قررت البدء من جديد.
بعد موجات طويلة من التفكير , تركت القرآن أيضا لأني وجدت فيه متناقضات مع العقل و المنطق, خصوصا و أن كل القصص القراني تقريبا قد قرأت عنه تاريخ ظهوره والاسساطير المؤسسة له من قبل... فاصبحت اضحك عندما اتخيل أنني كنت أدعو الله أن يبلغ سلامي الى موسى وعيسى, فيما هما شخصان وهميان لا وجود لهما على ارض الواقع.
قرأت عن نظرية التطور , فعززت من ابتعادي عن القرآن و الدين بصفة عامة , بل انها هي السبب الاول الذي جعلني أمر من الربوبية الى اللادينية اللاادرية.
صراحة نظرية التطور هي اقوى ما جعلني أقتنع تماما أن الطريق الذي سلكته ليس فيه أي لبس.
فكرت في أطفال الصومال , وفكرت في الحروب , وفكرت في معاناة الكائنات على الارض (آلاف الكائنات تفترس بصورة وحشية كل سنة) , وهذا ماجعلني اهتدي الى عدم وجود إي رب رحيم في هذا الكون.
كان السؤال الذي اطرحه كثيرا : لماذا يوجد دائما ألم ومعاناة حتى في عالم الحيوانات؟ ألا يسع هذا الاله الرحيم أن يقلل المعاناة على ذلك الجحش الوحشي الصغير , الذي اراه في التلفاز تقطع رجلاه الخلفية قبل أن يموت, وكان المسكين يصرخ من الالم و المعاناة؟
شاهدت وثائقيات كثيرة , شاهدت برامج البي بي سي عن نظرية التطور, قرأت كتب ابن سينا في شرح ماهية الوجود....(كتاب الالهيات و الطبيعيات وكتاب الشفاء), كما قرأت كتب علماء وفلاسفة الغرب (وهم الاله, أصل الانواع, كتاب البيولوجيا عبارة عن موسوعة معمقة, وكتب الفيزياء الحديثة و القديمة )
لقد فتحت لي هذه الكتب آفاقا كبيرة للتفكير الحر البعيد عن كل قيود البخاري و مسلم , التي جعلتني مكبلا بتناقض فكري قاتل .
فهي كانت تقول أن هذا حدث بالفعل, فيما عقلي وقلبي وحبي لذلك الشخص يعتبر هذا اساءة لذلك الشخص المدعو محمدا.
لكن بعد تركي للاسلام احسست بأن الفراغ الذي كان في قلبي قد زال نهائيا, أحسست بأن مالم أعمل للحصول عليه , لن أحصل عليه... احسست أنني حر بكل معنى الكلمة : لا أقتل لأني اعلم ان القتل شيئ سيئ , وليس لاني اخاف الله...
لا ازني لأني في منتهى الحياء , وليس لأني أخاف الله.
لا أسرق لأني اتمثل نفسي مكان الشخص الذي سرقت منه, لأعرف المعاناة التي سيذوقها لو سرقته.
بل إني لا آكل قرب حيوان جائع قطا كان أو كلبا أو حتى عصفورا ... ولو أكلت قربه لأعطيته ربع طعامي.
كما أني لم أعد اقتل الاوزاغ
وعدتكم يا أصدقائي أن أخبركم عن التأثير الذي وصلتم اليه في نفسي لهذه المدة التي كتبت فيها وحاورتكم فيها في المنتدى . و أنا أشهدكم أنكم أثرتم في بعض التأثير الخلقي , و العقائدي أيضا.. و ممتن لكم على هذا.
1. أثرتم في خلقيا , لأني أصبحت أرى جمال الحياة فيكم أصدقائي, طول حياتي احس أنه لا احد يحبني , بل حتى الذي اعبده ليل نهار كنت أحس انني كنت لا اكلم الا نفسي في الليل.
أنا لا أؤاخذكم على الاختلاف معي , ولكني ممتن لأنكم أظهرتم لي كم أنكم تحبونني , ولو حاول معي مسيحي أن يدخلني المسيحية كشخص يريد لي النجاة من العذاب , لأحببته أيضا لأنه من منظوره يريد لي الخير.
2. أثرتم في عقديا... فقد كنت قبل هذا أعتقد أن كل ماجاء في الاديان اساطير قديمة ... ولكن رغم كثرة اساطيرها الا أن بعضها له وجود فعلي ... لقد تغيرت نظرتي الى هذه الاساطير بشكل كبير.
فمثلا : عندما وضع احدكم كلاما عن سفينة نوح في جبل الجودي , اصبحت منذ ذلك اليوم أبحث عن ادلة عنها , وفعلا وجدت أن هناك اثارا لسفينة كبيرة تحت جبل كودي بتركيا.
ماقلته في نفسي حتى الان هو ان القصة حقيقية بشكل أو بآخر ... فلا دليل بعد عندي أن صاحب السفينة قد حمل عليها الحيوانات الكثيرة كما لا دليل عندي أن صاحب السفينة قد طاف بها حول العالم
و تأثير آخر في نفسي , يكمن في أن الصورة التي اخذتها عنكم في أول يوم لي بالمنتدى : حيث كثر الخصام بيني وبينكم ... ليست هي الصورة التي أخذتها عنكم بعدما حاورتكم و استفدت منكم ...
هناك تأثير آخر ربما يكون مهما بالنسبة لكم (ولهذا جعلته الاخير) : كنت قبل هذا أعتبر وجود الاله أو عدم وجوده سيان بالنسبة لنا فمادام الكون بصورته الحالية من المعاناة الطبيعية (معاناة الكائنات في الطبيعة), فالكون لا يحتاج لاله غير مبالي بمخلوقاته, وسواء عندي اوجد أم كان من الغائبين.
لكنني الان , رغم أني لا أؤمن بوجوده (إلا بنسبة ضئيلة) : إلا أني أتمنى لو كان موجودا حقا ,لأنه لو كان كذلك لاختلف العالم كثيرا عما هو عليه الان. لقد جلست يوم أمس أفكر وحدي في منتصف الليل... أعزي نفسي في غياب هذا الاله.
فكرت في الماضي و الحاضر و المستقبل : كيف سيكون العالم بإله مثل هذا؟؟؟ لا يبالي ولا يفعل ولاينطق ولايتكلم ولا يجعل الناس يحسون بوجوده وحضوره.
المحب الحقيقي هو الذي يجعل الاخرين يحسون بأنه معهم, وليس يتركهم في خصامهم وتعاستهم وحزنهم. صحيح أني مازال في بعض الاحساس بوجود كائن اسمى لا يبالي بنا, ولا يتفاعل معنا... ولكنه مجرد احساس سببه الامل في ذلك.
أما فكري وعقلي فإنه يقول : لا يوجد إله إلا في مخيلتنا... الاله هو تفسير الوجود بكل مظاهره , الوجود الذي نراه حولنا ونقف أمامه مندهشين من عظمته...
تحياتي لكم ... و أطلب منكم الصفح اذا اسأت لأي شخص منكم اساءة مقصودة أو غير مقصودة , اعلموا فقط أني لا اجادلكم لأجل الجدال :)
|