رد: لا تسبوا أصحابي
[align=center]تابع:لاتسبوا أصحابي
[/align]
قال النَّوويُّ: «الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ رَأَى النَّبِيَّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وَلَوْ سَاعَةً فَهُوَ مِنْ أَصْحَابه»(13).
وعلى هذا جرى عملُ المحقِّقين من أئمَّةِ الحديثِ وأساطينِ الجرحِ والتَّعديل يحرصونَ أشدَّ الحرصِ على من ثبتَت رؤيتُه للنَّبيِّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، أن يحلُّوا ترجمتَه بقولهم: «لهُ رُؤيةٌ» فيكون بذلك صحابيًّا، ومعنى ذلك أنَّهم كُفُوا مُؤنةَ البحث عن عدالته؛ لثبوت عدالتهم ـ رضي الله عنهم ـ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع وصحيح النَّظر؛ قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (1/ 17): «واتَّفق أهلُ السُّنَّةِ على أنَّ الجَميعَ عُدُولٌ، ولمْ يخَالِفْ في ذلكَ إلَّا شُذوذٌ منَ المُبْتَدِعَة».
إلَّا أنَّه ينبغي التَّنبيه إلى أنَّ تعديلهم ـ رضي الله عنهم ـ مطلقًا لا يعني عصمتهم، بل يجوز عليهم الذُّنوب في الجملة، وقد يصدر منهم الخطأ في الاجتهاد؛ لكن ذلك لا يقدح في عدالتهم ولا يُنْقِصُهَا، لِمُضِيِّ ثناء الله سبحانه عليهم مطلقًا، ولأنَّ بحرَ حَسناتهم غمر جميع ذلك؛ قال ابن تيمية: «ولهم من السَّوابقِ والفضائلِ ما يُوجب مغفرةَ ما يَصدُرُ منهم ـ إن صَدر ـ حتَّى إنَّه يُغفرُ لهُم من السَّيِّئاتِ ما لا يُغفر لمن بَعدَهم؛ لأنَّ لهم من الحسناتِ التي تمحُو السَّيِّئات ما ليسَ لمنْ بعدَهم»(14).
ومما يستفاد من هذا الحديث أنَّ الصُّحبة تتفاوت وتتفاضل(15)؛ لأنَّه ثبت عند مسلم زيادة فيها سبب ورود الحديث، وهو أنَّه كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ شَيءٌ فَسَبَّهُ خَالِدٌ؛ فقال ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لخالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ: «لَا تَسُبُّوا أصْحَابي»، وقوله هذا ليس القصدُ منه نفي الصُّحبة عنه، وإنَّما أراد أن يُبيِّن أنَّ عبد الرَّحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ وأمثالَه أخصُّ بصحبتِه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، وأنَّهم امتَازُوا بأشياءَ لا يُمكنُ أن يُشاركَهُم غيرُهُم فيها كفَضْلِ السَّبْق والهجرة والإنفاق وغير ذلك.
فعبد الرَّحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ ممَّن أسلم وهاجر قديمًا وأحد العشرة المبشَّرين بالجنَّة، أمَّا خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة فهؤلاء أسلموا في مدَّة الهدنة بعد الحديبية وقبل فتح مكَّة، فكانوا من المهاجرين التَّابعين لا من المهاجرين الأوَّلين.
ومن هُنا نعلم أنَّ الصَّحابةَ ـ رضي الله عنهم ـ يتفاضَلُون في صُحبتهم، فصحبة أبي بكر الصِّدِّيق ـ رضي الله عنه ـ ليست كصحبة غيرِه؛ إذ هو في ذَروة سنام الصُّحبة وأعلى مراتبها، بل تميَّز وانفرد ـ رضي الله عنه ـ عن سائر الصَّحابة، حتَّى خصَّه النبيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بقوله: «فهَلْ أنتُم تَارِكُو لي صَاحِبي»(16)، ووصفه الله تعالى بذلك في قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ الآية [التوبة: 40]؛ كما أنَّ صحبة الَّذين أسلموا قبل الفتح وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ليسوا في الرُّتبة كالَّذين تأخَّر إسلامهم ولم يسلموا إلَّا بعد الفتح وكلًّا وعد الله الحسنى، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)﴾ [الحديد: 10].
ومن فوائد هذا الحديث أنَّ منزلةَ الصُّحبة لا يَعْدِلها شيءٌ، لذا كان صاحبُها سابقًا لمن بعدَه ولو كان أكثرَ منهُ عمَلاً؛ قال النَّوويُّ: «وَفَضِيلَة الصُّحْبَة، وَلَوْ لَحْظَة لَا يُوَازِيهَا عَمَل، وَلَا تُنَال دَرَجَتُهَا بِشَيْءٍ، وَالفَضَائِل لَا تُؤْخَذ بِقِيَاسٍ، ذَلِكَ فَضْل اللهِ يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء»(17).
وقال ابن تيمية: «قال غير واحد من الأئمَّة: إنَّ كلَّ من صحِبَ النَّبيَّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أفضلُ ممَّن لم يَصحبه مطلقًا، وعيَّنوا ذلكَ في مِثلِ مُعاويةَ وعُمرَ بن عَبد العزيز مع أنَّهم مُعترِفون بأنَّ سِيرةَ عُمر بن عبد العزيز أعدلُ من سِيرة مُعاوية، قالوا: لكن ما حصَل لهم بالصُّحبَة من الدَّرجة أمرٌ لا يُساويهِ ما يحصُل لغيرهم بعِلمه»(18).
ولذلك ردَّ السَّلفُ ـ رحمهم الله ـ على من أرادَ أن يَعقِدَ المفاضلَةَ بينَ الصَّحابيِّ وغيرِهِ ـ ممَّن تأخَّر عنهُ ـ بكلمَة قويَّةٍ حاسِمةٍ صدع بها سيِّدُ عُلماء زمانِه عبد الله بن المبارك ـ رحمه الله ـ الَّذي كان يقولُ: «ترابٌ في أنفِ معاويةَ أفضلُ من عُمرَ بنِ عبدِ العزيز»(19).
فالعبدُ لو لَقيَ الله بكلِّ عمل من أعمال البرّ والخير الَّتي في وسع البشر أن يأتوا بها، فإنَّه لن يستطيعَ أن يبلغَ رتبةَ الصَّحابي ولا يُدانيه أبدًا؛ لأجل هذا عقَد النبيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ هذِه المقارَنة التي فيها تفاوتٌ عظيم وتباين كبير، إذ لا يختلف اثنان في أنَّ من أنفق مثل جبل أحد ذهبًا عُدَّ عملُه جليلًا وإنفاقُه عظيمًا، إلَّا أنَّه مع هذا كلِّه لن يبلُغَ في الثَّواب ما أنفقَهُ صحابيٌّ كان مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ مقدار مُدٍّ أو نصفَ مدٍّ من الحنطة أو الشَّعير، قال ابن حزم: «هذا في الصَّحابة فيما بينهم؛ فكيفَ بمنْ بعدَهُم معَهُم ـ رضي الله عنهم ـ أجمعين»(20)، وسبب تفضيل نفقتهم على من بعدهم كما قال النَّووي ـ رحمه الله ـ: «أَنَّهَا كَانَتْ فِي وَقْت الضَّرُورَة وَضِيق الْحَال، بخِلَافِ غَيْرهمْ، وَلِأَنَّ إِنْفَاقهمْ كَانَ فِي نُصْرَته ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وَحِمَايَته، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ بَعْده، وَكَذَا جِهَادهمْ وَسَائِر طَاعَتهمْ»(21).
وكان ابن عمر يقول: «لا تَسُبُّوا أصحابَ محمَّدٍ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ؛ فَلَمُقامُ أحدِهم ساعةً خيرٌ من عَمَل أحدِكُم عُمرَهُ»(22).
ومن الفوائد التي يمكن استفادتها من هذا الحديث النَّبويِّ: أنَّه يجب الانتصار للصَّحابة الأبرار، والذَّبِّ عن أعراضهم، وعدم السُّكوت على من تعرَّض لهم؛ فالنبيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لم يتوانَ أبدًا في الدِّفاع عنهم وأطلقها مدوِّيةً صريحةً ناهيًا عن التَّعرض لهم بأدنى سوء فقال: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي» وفي لفظ عند مسلم: «لَا تَسُبُّوا أحَدًا مِنْ أَصْحَابِي».
وعليه ـ أخي القارئ ـ ينبغي علينا أن نعمُر أفئدتنا بحبِّ صحابة رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، وأن تلهج ألسنتنا بالثَّناء عليهم ومدحهم والتَّرضِّي عنهم، وأن نعرف مآثرهم ومناقبَهم وفضائلهم(23)، ونَنْشُرَ ذلك بين النَّاس حتَّى لا تجدَ شُبهاتُ الطَّاعنين فيهم والخائضين في أعراضهم والمُشَكِّكين في عدَالتهم سَبيلًا إلى العقولِ؛ فإنَّنا نرى اليوم كثيرًا من العوام والمثقَّفين وحتَّى بعض المنتسبين للدَّعوة إلى الله قد التبس عليهم أمر الشِّيعة الرَّوافض واغترُّوا بهم وأقبلوا على مدحهم والثَّناء عليهم والانتصار لهم، ولم يبالوا بهذا الخلاف الجوهري الَّذي بيننا وبينهم، ولو تريَّثوا قليلًا، وفكَّروا مليًّا، وتركوا العواطف جانبًا، وألقوا نظرةً في أصول دين الشِّيعة، لوجدوا أنَّ كتبهم المعتمدة مثل: «الكافي» و «بحار الأنوار» و«رجال الكشي» قد شحنت ومُلِئت بالسَّبِّ والطَّعن واللَّعن والتَّكفير والتَّكذيب للصَّحابة الكرام ولم يستثنوا منهم إلَّا نزرًا يسيرًا جدًّا؛ وبقدر صُحبة الرَّجل وقُربه من النَّبيِّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يكون عداؤهم له أشدَّ، ولعنهم له أكثر، فأبغض النَّاس إليهم أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ؛ فأيُّ إسلامٍ هذا الذي يريدون نُصرتَه، وهُم يَلعنُونَ خِيرةَ أهلِه ويسبُّون صفوتَه!! وصدق محمَّدُ بن سِيرين ـ رحمه الله ـ لما قال: «مَا أَظُنُّ رَجُلًا يَنْتَقِصُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يُحِبُّ النَّبِيَّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ»(24).
فكن على حذر من الوقوع في الاغترار بهم، وارفع شعارَ الحبِّ والولاءِ والانتصارِ لهؤلاء الصَّحابة الأخيارِ؛ فإنَّه من خَير الزَّاد ليوم المعَادِ، وحبِّبْهم إلى جميع النَّاس ومن تحت يدك مِنَ الأهلِ والأولادِ، قال الإمام مالك: «كان السَّلف يعلِّمون أولادهم حبَّ أبي بكر وعمر، كما يعلَّمون السُّورةَ من القرآن»(25)، وتمسَّك بغَرْزِ أهل السُّنَّةِ والجماعة الَّذين سَلِمت قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ـ رضي الله عنهم ـ، كما وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)﴾ [الحشر: 10]، وإيَّاك أن تقف إلى جانب من خالفوا أمر الله، الذين قالت فيهم عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «أُمِروُا أنْ يَسْتَغفِرُوا لأصحابِ رَسُولِ الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فَسَبُّوهُم»(26).
وفي الأخير، إليك ـ أخي القارئ ـ كلمتين لعالمين جليلين أحدهما مغربيٌّ مالكيٌّ، والثَّاني مشرقيٌّ حنفيٌّ، لبيان ما تقرَّر عند أهل السُّنَّة والجماعة في هذا الأصل العظيم؛ قال ابن أبي زيد القيرواني في «الرِّسالة» (ص32): «وأن لا يُذكرَ أحدٌ من صَحابةِ الرَّسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إلَّا بأحسنِ ذِكرٍ، والإمساكُ عمَّا شجَر بينهُم، وأنَّهم أحقُّ النَّاس أن يُلتَمسَ لهم أحسنُ المخَارجِ، ويُظَنَّ بهم أحسنَ المذاهبِ».
وقال الطَّحاوي في «عقيدته»: «ونُحبُّ أصحابَ رسُولِ الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، ولا نُفَرِّط في حُبِّ أحدٍ منهُم، ولا نتبرَّأ منْ أحدٍ منهُم؛ ونُبغِضُ من يُبغِضُهم، وبغيرِ الخَيرِ يَذكُرُهم؛ ولا نذكُرهُم إلَّا بخيرٍ؛ وحُبُّهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبُغضُهُم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(13) «شرح صحيح مسلم» (16/ 85).
(14) «العقيدة الواسطية» (ص44).
(15) انظر: «منهاج السنة» (8/ 302، 431).
(16) رواه البخاري (3388).
(17) «شرح صحيح مسلم» (16/ 93).
(18) «مجموع الفتاوى» (4/ 527).
(19) «تاريخ دمشق» (59/ 207).
(20) «الفصل في الملل» (4/ 92).
(21) «شرح صحيح مسلم» (16/ 93).
(22) رواه ابن ماجه (158)، وحسَّنه الألباني.
(23) ومن أجمع الكتب في ذلك كتاب «فضائل الصَّحابة» للإمام أحمد.
(24) رواه الترمذي (3685)، وصحَّح إسناده الألباني.
(25) «شرح أصول الاعتقاد» للَّالكائي (1889).
(26) رواه مسلم (5344).
|