الإنجيل يشهد للسنة النبوية ويكذب منكريها "القرآنيين"
كثيرا ما نسمع من منكري السنة بأن التوراة والإنجيل مثل القرآن من حيث أن كلها من عند الله وهذا حق؛ ولكنهم زعموا بأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يستنبط منها؛ بل وأنهم أعتبروها أصح من صحاح السنن.
وسوف أبين لكم في هذا البحث قلة علمهم ومعرفتهم وأن الأسس التي يتحدثون عنها ما هي إلا أسس مهزوزة ومختلة وأنما هم يتبعون الظن؛ بحيث سأقدم لكم من الإنجيل ما يدحض كلامهم؛ ولا بد قبل كل شيء أن ننوه هنا بأن ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام جاء بالصفات في الكتب السابقة بدليل قوله تعالى:"الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر؛ وقال أيضا: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون.
ينقل لنا ابن القيم رحمه الله في كتابه الذي انصح القرآنيين بقراءته "هداية الحيارى بأجوبة اليهود والنصارى" نصوص من إنجيل يوحنا وهي: الفار قليط لا يجيئكم ما لم أذهب ، وإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة ، ولا يقول من تلقاء نفسه ولكنه مما يسمع به ، ويكلمكم ويسوسكم بالحق ويخبركم بالحوادث والغيوب؛ وفي موضع آخر : إني سائل له أن يبعث إليكم فار قليطا أخر يكون معكم إلى الأبد وهو يعلمكم كل شئ.
وقد تحققت من هذه النصوص ووجدتها نفسها عدا كلمة (الفارقليط) حيث وردت (المعزي الآخر)؛ كمثل هذا النص:" ومتي جاء المعزي (الفارقليط( الذي سأرسله أنا إليكم من الآب ، روح الحق الذي من عند الآب فهو يشهد لي ، وتشهدون أنتم أيضا لأنكم معي من الإبتداء " . يوحنا 15 : 26 - 27
ومن الملاحظ أن ذكر السنة واضحا وصريحا وبالذات في كلمة "يسوسكم" فهي تؤكد ذلك فالذي يسوس الناس لا بد وأن له أحكاما وشرائع تفصيلية واسعة تشمل كل ما يتطلبه الحكم؛ وكذلك أيضا فمعنى قوله يخبركم بالحوادث والغيب إشارة إلى أحاديث الفتن والملاحم التي وردت عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وكذلك أيضا فمعنى قوله يكون معكم إلى الأبد بقاء سياسته.
كما أن قوله يكون معكم إلى الأبد يعني أن الإسلام ينسخ ما قبله من ناحية ومن ناحية أخرى فأن قوله يعلمكم كل شي يؤكد عدم صحة الاستنباط الذي أشبعونا قولا فيه بحيث هو يعلم ولا يتعلم ولا يستنبط.
أما قول النصارى بخصوص هذه النصوص فنعود الى ما نقل أبن القيم في كتابه المذكور اعلاه: ولما لم يمكن النصارى إنكار هذه النصوص حرفوها أنواعاً من التحريف ، فمنهم من قال : هو روح نزلت عل الحواريين ، ومنهم من قال : هو السن نارية نزلت من السماء على التلاميذ ففعلوا بها الآيات والعجائب ، ومنهم من يزعم أنه المسيح نفسه لكونه جاء بعد الصلب بأربعين يوماً وكونه قام من قبره ، ومنهم من قال لا يعرف ما المراد بهذا الفار قليط ولا يتحقق لنا معناه.
ثم يعلق ابن القيم على تأويلهم قائلا: فهذه الصفات والنعوت التي تلقوها عن المسيح لا تنطبق على أمر معنوي في قلب بعض الناس لا يراه أحد ولا يسمع كلامه .وأنما تنطبق على من يراه الناس ويسمعون كلامه ، فيشهد للمسيح ، ويعلمهم كل شئ ، ويذكرهم بكل ما قال لهم المسيح ، ويوبخ العالم على الخطيئة ، ويرشد الناس إلى جميع الحق ، ولا ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ، ويخبرهم بكل ما يأتي ، ويعرفهم جميع ما لرب العالمين وهذا لا يكون ملكاً لا يراه أحد ولا يكون هدى وعلماً في قلب بعض الناس. ولا يكون إلا إنساناً عظيم القدر يخاطب بما أخبر به المسيح ، وهذا لا يكون إلا بشراً رسولاً ، بل يكون أعظم من المسيح ، فإن المسيح أخبر أنه يقدر على ما لا يقدر عليه المسيح ، ويعلم ما لا يعلمه المسيح ، ويخبر بكل ما يأتي وبما يستحق الرب حيث قال : إن لي كلاماً كثيراً أريد أن أقوله ولكنكم لا تستطيعون حمله ، ولكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إل جميع الحق ، لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي ، ويعرفكم جميع ما للأب. فلا يستريب عاقل أن هذه الصفات لا تنطبق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأن الإخبار عن الله بما هو متصف به من الصفات وعن ملائكته وعن ملكوته وعما أعده في الجنة لأوليائه وفي النار لأعدائه أمر لا تحتمل عقول أكثر الناس معرفته على التفصيل .
كما نلاحظ ايضا توافق النصوص الانجيلية مع احاديث الرسول عليه الصلاة والسلام كدليل على صدق سنته؛ يقول ابن القيم : وتأمل قوله في البشارة الأخرى : ألم تر إلى الحجر الذي أخره البناؤون صار أساً للزاوية؟ كيف تجده مطابقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى داراً فأكملها وأتمها إلا موضع لبنة منها ، فجعل الناس يطوفون بها ويعجبون منها ، ويقولون هلا وضعت تلك اللبنة ؟ فكنت أنا تلك اللبنة .
|