الشبهة الثانية
أ- نظرة أهل السنة لهذا الحديث
1- جاء في أحكام القرآن لأبن العربي
قوله تعالى : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } : قال ابن العربي رضي الله عنه : ليس لله تعالى خلق هو أحسن من الإنسان ، فإن الله خلقه حيا عالما ، قادرا ، مريدا ، متكلما ، سميعا ، بصيرا ، مدبرا ، حكيما ، وهذه صفات الرب ، وعنها عبر بعض العلماء ، ووقع البيان بقوله : { إن الله خلق آدم على صورته } ، يعني على صفاته التي قدمنا ذكرها .
وفي رواية على صورة الرحمن . ومن أين تكون للرجل صفة مشخصة ، فلم يبق إلا أن تكون معاني ، وقد تكلمنا على الحديث في موضعه بما فيه بيانه .
2- وفي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية
قلت : وينبغي أن يضم إلى كلامه هذا قوله سبحانه : ليس كمثله شيء [ الشورى : 11 ] وقوله : ولا يحيطون به علما [ طه : 110 ] ومن أراد أن يقف على حقيقة ما اشتمل عليه الإنسان من بديع الخلق وعجيب الصنع فلينظر في كتاب العبر والاعتبار للجاحظ ، وفي الكتاب الذي عقده النيسابوري على قوله : وفي أنفسكم أفلا تبصرون [ الذاريات : 21 ] وهو في مجلدين ضخمين .
3- عن أَبُى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "خَلَقَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ آدَمَ عَلَىَ صُورَتِهِ. طُولُهُ سِتّونَ ذِرَاعاً. فَلَمّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلّمْ عَلَى أُولَئِكَ النّفَرِ. وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ جُلُوسٌ. فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيّونَكَ. فَإِنّهَا تَحِيّتُكَ وَتَحِيّةُ ذُرّيّتِكَ. قَالَ: فَذَهَبَ فَقَالَ: السّلاَمُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللّهِ. قَالَ: فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللّهِ. قَالَ: فَكُلّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنّةَ عَلَىَ صُورَةِ آدَمَ. وَطُولُهُ سِتّونَ ذِرَاعاً. فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتّىَ الاَنَ"
* قال النووى فى الشرح:
قوله صلى الله عليه وسلم: "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا" هذا الحديث سبق شرحه وبيان تأويله، وهذه الرواية ظاهرة في أن الضمير في صورته عائد إلى آدم، وأن المراد أنه خلق في أول نشأته على صورته التي كان عليها في الأرض وتوفي عليها وهي طوله ستون ذراعا ولم ينتقل أطوارا كذريته، وكانت صورته في الجنة هي صورته في الأرض لم تتغير
4- وهنا وجدت رداً يوضح الإشكال أكثر أتمنى أن تكون فيه الفائدة
ســُئل فضيلة الشيخ العلاَّمة محمد أمان بن علي الجامي – رحمه الله – عن اعتقاد أهل السنة والجماعة في قول النبي صلى الله عليه وسلم :" إن الله خلق آدم على صورته ".
فـأجـاب – رحمه الله – :
(هذا الحديث :" إن الله خلق آدم على صورته " ، إن كان السائل يريد الإيجاز يُـــقال : استئناسا بالحديث :" إن الله خلق آدم على صورة الرحمن " ، نُـثبت الصورة ، وإن اختلف أهل العلم في تفسير الصورة :
منهم من فسَّر بالصفة : أي متصفاً ببعض صفات الله تعالى ، أي : من حيث الاتفاق في اللفظ والمعنى العام ، وذلك وارد في الكتاب :" بعلـــم عليم " ، " بحلـــم حليم " ، وصْـف الله تعالى بالعلم والحلم ، ووصْـف عبد من عبيد الله تعالى بالعلم والحلم ، ونحن كُلــنا موصوفون بالسمع والبصـر ، فالله موصوف بالسمع والبصر. هذا الاتفاق في اللفظ العام ، والمعنى العام ، دون حقيقة السمع، وحقيقة البصـر، وحقيقة العلم ، وحقيقة الحلم ليـس في ذلك غضـاضة. أي : الاشتراك بين الخالق والمخلوق في بعض الصفـات في اللفظ أولاً ثم في المعنى العام : العلم العام ، الحلم العام . بمعنـى : قبل إضـافة سمع الله إلى الله ، وسمع المخلوق إلى المخلوق ، وقبل إضـافة علم الخالق إلى الخالق ، وعلم المخلوق إلى المخلوق ، هذا يُــقال له : المـطلق الكلي ( المعنى العام ) ؛ الاشتراك في هذا المطلق الكلي لا يضر ، لأن هذا المعنى العام ليس لأحد ، إنما تختص صفات الله بالله بالإضافة ، إذا قلنا سمع الله ، بصر الله ، علم الله ، مستحـيلٌ أن يشـارك الله أحدٌ في علمه وسمعه وبصره. هذه الإضـافة تسمى إضافة تخصيص ، الإضافة تُـخصص . إذاً بعد هذا الشرح ، إذا قيل : خلق الله آدم – كذلك أولاده – على صورته أي : متصفين ببعض صـفاته . كما شرحنا ، ليس في ذلك أي غضاضة.
منهم؛من يقول: نُـمِرُّ الحديث كما جاء : فنثبت صـورة تلــيق به دون بحثٍ عن حقيقة الصورة. هذان قولان لأهل العلم في هذا القسم ، وفي الحديث بحث طويــل لأن الحديث له سبب ، والحديث له تتمة.
لذلك بعض أهل العلم قد يخرج الحديث من نصوص الصفات : فيجعل الضمير راجعاً إلى المضروب " إذا ضرب أحدكم غُلامه فلا يضرب وجهه ولا يقبحه ، لأن الله خلق آدم على صورته " أي : على صورة هذا المضروب ، احتراماً لأبيكم آدم . يسمون هذا : التشبيه المقلوب ، لأنه شبَّهَ الأصل بالفرع ، شُـبِّهَ آدم بولده ، ولمْ يُشـبَّه الولد بالوالد ، لذلك يسمونه التشبيه المقلوب : إن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب . " إذا ضربتم غلامكم أو غِلْمَانكم فلا تضربوا الوجه ولا تُـقبِّحهُ " لا تقولوا : قبـَّـح الله وجهك ، ولا تضربوا في الوجوه ، احتراماً لأبيكم آدم ، لأن آدم خُلِـق على صورة هذا المضروب ، من نظر إلى سبب الحديث ، وفسَّر بهذا التفسير أخرج الحديث من كونه من نصوص الصفات.
وبعضهم؛ نظر إلى تتمة الحديث "إن الله خلق آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً" على صورته) :أي خلقه طويلاً هكذا ستون ذراعاً لم يتدرَّج كما تدرَّج أولاده ، " إن الله خلق آدم على صورته فطوله ستون ذراعاً " خلقه هكذا طويل ، واضح ؟!
كذلك من فسَّر بهذا التفسير يُـخرج الحديث من كونه من نصوص الصفات ، فيكون مرجع الضمير آدم نفسه ، خلق الله آدم على صورته هو ، أي على هذه الهيئة لذلك كل من يدخل الجَنَّة يدخل فطوله ستون ذراعاً كأبيهم آدم .
هذان معنيان ؛ على هذين المعنيين : الحديث ليس من نصوص الصفات.
بعض أهل العلم يرجِّح المعنى الأول ، لماذا ؟! لوجود حديث آخر صريح ، هذا الحديث الثاني : " خلق الله آدم على صورة الرحمن ". عندما كتبت رسالةً تُـسمَّى : (المحاضرة الدفاعية عن السُّنَّة المحمدية) رداً على مدعي النبوة في السودان ، ناقشت هذا الحديث ، في ذلك الوقت لم يكن عندي الحديث الثاني ، لأن الحديث الثاني ضلَّ عندنا نصل إليه أنه ضعيف إلى أن صححه الشيخ التويجري وقرر تصحيحه الشيخ عبد العزيز بن باز شيخُنا ، بعد ذلك ثبت لدينا أن الحديث صحيح ، بناءً على صحة هذا الحديث يكون المعنى الأول هو الراجح ، أي : أن الحديث من نصوص الصفات ، خلق الله آدم على صورة الرحمن " متصفاً ببعض صفاته على ما شرحنا .
5- رأي الشيخ ابن عثيمين
يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إن الله خلق آدم على صورته، ونهى أن يقبح الوجه أو يضرب) وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث بعد أن صححوه، أما من أنكر صحته فهذا له بابٌ وجواب، لكن من أثبته اختلفوا فيه على وجهين: الوجه الأول: خلق آدم على صورته أي: على الصورة التي اختارها الله عز وجل، فتكون من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، مثل: ناقة الله، وبيت الله، وما أشبه ذلك. الوجه الثاني: خلق الله آدم على صورة الرب عز وجل، ولكن لا يلزم أن يكون مماثلاً له؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، فإذا قال قائل: كيف يكون غير مماثل وقد قال على صورته؟ قلنا: لا يلزم من الصورة التماثل، ألم يكن قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أهل الجنة: (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر) هل يلزم أن يكونوا مماثلين للقمر؟ لا يلزم أن يكونوا مماثلين له، فلا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلاً للشيء، وهذا واضح، وقد ضربنا لكم مثالاً في أهل الجنة: أنهم يدخلون الجنة أول زمرة على صورة القمر، ولا يلزم التماثل.
ب- تخبط الشيعة
والأن أنظر لكتبهم فقد أوردت الدليل ايضاً وهو يضعها كشبهة بجهل دون أدنى خجل
لقد أثبت صحة هذا الحديث الخميني في كتابه "زبدة الأربعين حديثاً" (ص264) الحديث الثامن والثلاثون بعنوان " أن الله خلق آدم على صورته" والذي أورد من طريق أهل البيت حجج الله على خلقه حسب اعتقادهم، وإليك نص الحديث:
فعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عما يروون أن الله عزوجل خلق آدم على صورته فقال: هي صورة محدثة مخلوقة ، اصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه فقال تعالى: { بيتي } وقال: { ونفخت فيه من روحي}، ثم قال الخميني: ( وهذا الحديث من الأحاديث المشهورة بين السنة والشيعة، ويستشهد به دائماً، وقد أيّد الإمام الباقر (عليه السلام) صدروه وتولّى بيان المقصود منه ) .
وقد علق شيخهم محمد الكراجكي في "كنز الفوائد تحت عنوان " تأويل الخبر" ما نصه: ( إن سأل سائل ، فقال: ما معنى الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن الله تعالى خلق آدم على صورته ، أوليس ظاهر هذا الخبر يقتضي التشبيه له تعالى بخلقه ، فإن لم يكن على ظاهره ، فما تأويله ؟ : الجواب: قلنا : أحد الأجوبة عن هذا أن تكون الهاء عائدة إلى الله تعالى ، والمعنى أنه خلق على الصورة التي أختارها ، وقد يضاف الشيئ إلى مختاره . ومنها أن تكون الهاء عائدة إلى آدم ، ويكون المراد أن الله تعالى خلقه على صورته التي شوهد عليها ، لم ينتقل إليها عن غيرها كتنقل أولاده الذي يكون أحدهم نطفة ثم علقة مضغة ،ويخلق خلقا من بعد خلق ، ويولد طفلا صغيرا ثم يصير غلاما ثم شابا كهلا ، ولم يكن آدم (عليه السلام) كذلك ، بل خلق على صورته التي مات عليها .
ومنها ما رواه الزهري عن الحسن قال مرّ النبي برجل من الأنصار وهو يضرب وجه الغلام له ويقول : قبح الله وجهك ووجه من تشبهه ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : بئسما قلت ، إن الله خلق آدم على صورته ، يعني صورة المضروب . وهذه أجوبة صحيحة والحمد لله).
وقال المحقق السيد هاشم الحسيني معلق كتاب التوحيد عند شرحه لهذا الحديث ما نصه:( هذا الكلام وجوه محتملة : فان الضمير إما يرجع إلى الله تعالى فالمعنى ما ذكره الإمام (عليه السلام) هنا على أن يكون الاضافة تشريفية كما في نظائرها أو المعنى أنه تعالى خلق آدم على صفته في مرتبة الامكان وجملة قابلا للتخلق باخلاقه ومكرما بالخلافة الاليهة ، وإما يرجع إلى آدم (عليه السلام) فالمعنى أنه تعالى خلق جوهر ذات آدم على صورته من دون دخل الملك المصور للأجنة في الأرحام كما لا دخل لغيره في تجهيز ذاته وذات غيره أو المعنى أنه تعالى خلق آدم على صورته هذه من ابتداء أمره ولم يكن لجوهر جسمه انتقال من صورة إلى صورة كالصورة المنوية إلى العلقة إلى غيرهما ، أو المعنى أنه تعالى خلق آدم على صورته التي قبض عليها ولم يتغير وجهه وجسمه من بدئه إلى آخر عمره ، وإما يرجع إلى رجل يسبه رجل آخر كما فسر به في الحديث العاشر والحادي عشر من الباب الثاني عشر فراجع ) .
وأخرج الصدوق بإسناده عن أبي الورد بن ثمامة عن علي (عليه السلام) قال: سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يقول لرجل : قبح الله وجهك ووجه من يشبهك ، فقال: مه، لا تقل هذا ، فإن الله خلق آدم على صورته .
قال الصدوق في شرح الحديث ما نصه: ( تركت المشبهة من هذا الحديث أوّله وقالوا: إن الله خلق آدم على صورته ، فضلوا في معناه وأضلوا ) .
وأخرج الصدوق بإسناده عن الحسين بن خالد ، قال: قلت للرضا (عليه السلام): يا ابن رسول الله إن الناس يروون أن رسول الله قال: إن الله خلق آدم على صورته ، فقال: قاتلهم الله ، لقد حذفوا أول الحديث ، إن رسول الله مرّ برجلين يتسابان ، فسمع أحدهما يقول لصاحبه ، قبح الله وجههك ووجه من يشبهك ، فقال: يا عبدالله لا تقل هذا لأخيك ، فإن الله عزوجل خلق آدم على صورته.
أما بخصوص طوله ستون ذراعاً فقد ذكر الكليني في روضة الكافي(ص 195 ح 308) بإسناده عن علي بن ابراهيم ، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب ، عن مقاتل بن سليمان قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) كم كان طول آدم عليه السلام حين هبط به إلى الأرض وكم كان طول حواء ؟ قال وجدنا في كتاب علي بن أبي طالب (عليه السلام) إن الله عزوجل لما أهبط آدم وزجته حواء عليها السلام إلى الأرض كانت رجلاه بثنية الصفا ورأسه دون أفق وإنه شكا إلى الله ما يصيبه من حر الشمس فأوحى الله عزوجل إلى جبريل عليه السلام إن آدم قد شكا ما يصيبه من حر الشمس فأغمزه وصير طوله سبعين ذراعاً بذراعه وأغمز حواء غمزة فيصير طولها خمسة وثلاثين ذراعاً بذراعها .